قراءة في المجموعة القصصية « أودماون » للكاتبة فاطمة فايز

ذ.لحسن زهور

الجهة: رابطة تيرا بشراكة  مع وزارة الثقافة

النوع:  القصة القصيرة و القصة القصيرة جدا.

المضامين:

   Hmmu : صديقان جمعهما النضال سابقا، لكن فرقتهما الوظيفة ( حمو صحفي و صيقه رئيسه) مارس عليه الوصاية، يكتب الرئيس رسالة لصديقه يعبر له انه لم يخن القضية لكن السجن و التعذيب غيرا مساره.

3lla: شخصية تحمل هموم الحياة و بلا أمل ، لم ترث الا   » توزونت »، ودت لو احترقت أو جرفها الوادي، لكنها في الاخير تتمنى لو كانت حشرة تلتصق بأريج الأرض.

Tifa :  تيفا فتاة تحمل آباؤها المشاق و الفقر و الحرمان، يجد لها صديقها عملا في طنجة، و اثناء لمها وثائق العمل تنسى صورة لأبيها و لما ارادت الرجوع لأخذها يقف صديقها دون رجوعها فتذعن لأمره، و تحس بانها تركت والدها الذي تعب من أجلها

  « وجوه  »  هو العمل القصصي التي انتقلت به الشاعرة فاطمة فايز من الشعر الى السرد، و اختارت جنس القصة القصيرة جدا بحكم التقارب الكبير لهذا الجنس النثري مع الشعر، ليلتقي جانبا الكتابة الشعرية و النثرية في هذا العمل القصصي عند الشاعرة و الكاتبة، فتتحفنا بنصوص قصصية تمثل نماذج انسانية من واقعنا المغربي، هي أشبه بوجوه نلتقيها كل يوم في واقعنا لكننا لا نجهل ما تضمره من مآس و من عقد نفسية و من تناقضات و صراعات داخلية و ما تحمله من أحلام و آمال… هذه الوجوه نلتقيها كل يوم و نمر عليها و ربما تمنحنا ابتسامة او التفاتة او تتجاهلنا فلا تعيرنا اي اهتمام وهي غارقة في دواخلها، و ربما نتقاسمها نفس المكان في الحافلة او القطار او صالة الانتظار أو في المقهى فنري وجوهها الاجتماعية الظاهرة و الحاملة لمظاهر متنوعة لكن وجوهها الداخلية الاخرى النفسية و المضمرة تبقى ملكا لها تفصح عنها أحيانا في قسماتها او في فلتات نتجاهلها و لا نعيرها اي اهتمام، لكن الكاتبة و المبدعة  من خلال منظارها الابداعي و الفني  تقربنا من هذه الوجوه الأخرى فتدخلنا الى عوالمها المغلقة بعملية كشفية هي اقرب من وميض برق في لجة. فلا غرو ان تسمي الكاتبة مولودها القصصي هذا اسم  » وجوه  » فتمزج فيه بين العمق النفسي للشخصيات/الوجوه و بين السرد الفني المكثف الذي يقترب من الشعر أحيانا،  لذلك استحق هذا العمل جائزة الابداع للمعهد الملكي للثقافة الامازيغية لسنة 2018 و هي الجائزة التي نالتها الكاتبة به.

 » وجوه  » هو عمل قصصي قصير يجمع 29 نصا قصصيا تحمل عناوينها اسماء لشخصيات من الواقع، وكل شخصية موسومة بخاصيتها النفسية او الاجتماعية، و بهمومها و بآمالها لكن أغلبها يحمل ازدواجية فرضها عليها الواقع الذي يعيش بدوره اقنعة متعددة ومتنوعة … هذا التنوع في المشاهد الانسانية بتعدد الشخصيات التي تناولتها الكاتبة يعطي لهذه المجموعة القصصية نكهتها التي تشد القارئ اليها لير وجوها اجتماعية و نفسية بحمولاتها الثقافية و القيمية و صورا حياتية  لوجوه متعددة  صيغت مادتها في قوالب فنية و بكثافة لغوية و فنية تخترق ما وراء هذه الوجوه.

 

تبتدئ المجموعة بشخصية  » Bdda  »  أي على الدوام، و تحكي في ومضة فنية حالة امرأة ارغمها زوجها على التوشح دوما بالسواد ولما مات أحست المرأة لأول مرة في حياتها بحريتها الشخصية. و تنتهي المجموعة بقصة   » واش » أي المشؤوم او « المسخوط »  بلغتنا الدارجة ،  و بين البداية و النهاية تتعاقب وجوها متنوعة في الشريط القصصي للمجموعة، و لكل وجه خاصيته النفسية و الاجتماعية و الثقافية.. حيث تتعاقب في الشريط وجوه شخصيات مثل : موحا ، حمو، علا، تيفا ، بيهي…بلعيد ، فيحاء… ولكل وجه خاصيته و حمولته الثاوية وراء ها الوجه الظاهر.

المجموعة القصصية  » وجوه » صورة مصغرة عن الواقع الانساني ابدعته الكاتبة مستقية شخصياتها من الواقع بما تحمله هذه الشخصيات من احاسيس و من وجوه التي ارغمت على حملها. الواقع في أغلب القصص يفرض شروطه أحيانا تنهزم امامه بعض نماذج من شخصيات المجموعة،  فتذعن لقوته و لشروطه لتحمل في واقعها اقنعة تداري بها مآسيها الداخلية المتمثلة في احساسها بالانهزام امام هذا الواقع  كما نجد في قصص ( « حمو » و « هرا » و  » تيفا »…)، في حين ترد في المجموعة شخصيات اخرى قاومت الواقع لتفرض ذواتها و وجوهها الحقيقية المعبرة عن ذواتها و هوياتها كما هي، و نجد هذه النماذج في قصص ( Bdda , Izza,   

 

 

هذه الصورة المصغرة لمجتمعنا تعكسه المجموعة القصصية في شكل وجوه متعددة و متنوعة من واقعنا تعبر عنه بوضوح عناوين النصوص القصصية، و كلها قصة تحمل اسم شخصية الاساسية، و كل شخصية إما أن تحمل في داخلها تناقض وجوهها و أقنعتها ، او تقف في تقابل مع وجه مناقض لها. ففي المجموعة 29 عنوانا بعدد نصوصها و هي :

 Bdda- muha-hmmu- 3lla- Hra- Mhnd-Tifa-Bihi- 3didi- hmad- izza- oaziz- ommi muh- 3li- 3bbu- iblis- yuff- Dadda- iman- tida- sifaw- bl3id- fayha- ussi- tira-war- bubi- gar – anaruz- tala- wacc

و الملاحظ في أن الوجوه الذكورية في المجموعة هي الغالبة ( 18 نموذجا) مقارنة مع قلة ورود الوجوه النسوية ( 8 نماذج نسوية)..

أما على المستوى التيمي، فالمجموعة تناولت العديد من التيمات و المظاهر الاجتماعية  بصورة فنية ، فتبدو أحيانا واضحة في الأحداث القصصية أو في تصرفات و في أحاسيس الشخصيات حين تعبر عنها، و أحيانا تأخذ هذه التيمات دلالات رمزية تتطلب من القارئ فطنة و ذكاء للوصول اليها و خصوصا حين يتعلق الامر بالطابوهات المحرمة اجتماعيا و أخلاقيا كما في قصتي  » إزة، عزيز ».

تحمل شخصيات قصص الكاتبة فاطمة فايز مآسيها الانسانية بصمت تدفعها الظروف الخارجية أو ما نسميه بالواقع الاجتماعي الى العيش بازدواجية تجمع تناقضين أو تضادين يعيشان داخل الشخصية الواحدة :

فمن جهة احساس الشخصية القصصية بالمأساة الداخلية تختزنها الذات و تعقلها فلا تسمح لها بالخروج من شرنقتها و لا بالتعبير عنها أمام واقع يفرض شروطه و قوانينه المكبلة لحرية الفرد خصوصا المرأة، و من جهة أخرى التماهي الظاهري مع هذا الواقع أي القبول به كواقع فقط مخافة ان ترتد انعكاساته السلبية على الشخصية القصصية، لذلك تحمل الشخصية القصصية بتنوعاتها وجهين: وجه داخلي يحمل طموحات و رغبات و  أحاسيس إنسانية تريد التعبير عنها في سلوكات فردية لكنها تصطدم بواقع مكبل للحريات يقمعها و يغلق دونها منافذ للتعبير لذلك ترتد هذه الرغبات الى الداخل في شكل صراع نفسي لا تجد معها الشخصية القصصية الا ان تحمل أقنعة اي وجوها متعددة لا تعبر عن ذاتها، بقدر ما تعبر عما يريده الواقع أي المجتمع، و كأننا هنا أمام شخصيات مأساوية ؟

– ففي القصة الاولى « Bdda » : امرأة يلزمها زوجها منذ بداية زواجهما بالتوشح بوشاح السواد، مع ما يعنيه هذا السواد من دلالات القهر و السجن و الدونية. تضطر المرأة لحمل هذا القناع كابتة لحريتها الشخصية و لرغباتها النفسية التي يحملها وجهها الحقيقي، لتجد نفسها مرغمة على حمل قناعين متناقضين يمثلان شخصيتها الحقيقية التي تحياها نفسيا و ذاتيا و الأخرى المزيفة التي تعيشها ارضاء لهذا الواقع الذي تعيش فيه، و سينتهي بها الامر الى التمرد و إزالة السواد بوفاة الزوج فتحس بأنها ولدت من جديد. لكن التمرد لم يأت نتيجة مقاومة واعية من المرأة بقدر ما هو نتيجة تغير واقعها، لكن ما يشفع لها أن مقاومتها للواقع يكمن في هذه الشعلة التي ما زالت تحملها داخلها و التي ساعدتها على إزالة السواد و تحدي الواقع و تقاليده.   

 – في قصة muha : شخصية تشبه شخصية قصة « Bdda » لكن بصورة معكوسة. نحن هنا أمام شخصية « موحا »  وهي شخصية مثقفة متحررة و نالت شهادة الدكتوراه ببحثها الجامعي عن اليهود في المغرب الشرقي. لكن هذه الشخصية تحمل بدورها وجهين متناقضين: وجه خارجي يبدو فيه انسانا مثقفا و متنورا لكن الوجه الداخلي الآخر الثانوي في داخله يناقض هذا الوجه الخارجي الذي يبديه للناس، الوجه الداخلي الذي كشفته عبارات التمييز ضد اليهود من ابناء وطنه التي انفلتت من عقالها يكشف الازدواجية التي يحملها هذا المثقف. ازدواجية فكرية، يبدو فيها بوجهين متناقضين : وجه داخلي ما زال يحمل ترسبات فكرية متخلفة، و وجه خارجي يبو فيه مثقفا تنويرا.

و هنا تتشابه شخصية  » موحا » مع شخصية « Bdda » لكن بصورة معكوسة، أي أن شخصية « Bdda » شخصية عادية تحمل في داخلها حريتها و تمردها لكن الواقع يقيدها باعتبارها امرأة، فعاشت بوجهين : داخلي متمرد و خارجي ذعنت فيه للواقع، و في اول فرصة منحت لها بموت زوجها أعلنت تمردها و مارسته،  في حين ان شخصية  « موحا  » الشخصية المثقفة اظهرت في كتاباتها تمردها على الفكر الانغلاقي الذي يرى في الآخر المختلف عنه دينيا عدوا، هذا الوجه المقنع لم يصمد كثيرا أمام الوجه الآخر الكامن في داخل شخصية هذا المثقف و الذي ما يزال يحمل احتقارا لهذا الآخر المختلف عنه دينيا.    

– في قصة  » hmmu   » : حمو شخصية صحفية في جريدة يديرها صديقه في النضال أثداء المرحلة الجامعية، و رغم هذه الصداقة و رغم مرحلة السجن الذي عاشها الصديق بسبب مواقفه، تغير الصديق و مارس انواع الوصاية على صديقه الصحفي. القصة تشير الى الازدواجية التي يعيشها الصديق، الوجه الداخلي لشخصيته التي ما زالت متشبعة بمواقفه لكنه لا يستطيع التعبير عنها بحكم وظيفته كرئيس لجريدة، و الوجه الخارجي الذي يتخذه كقناع للحفاظ على مصلحته الشخصية. و أمام هذا التناقض الذي يعيشه الصديق يكتب في آخر القصة رسالة لصديقه الصحفي يحاول فيها تبرير هذه الازدواجية أو هذا الوجه الجديد الذي يحمله، وجه يقمع الراي الآخر و يكبت حرية التعبير التي كان يناضل من أجلها، يقول الصديق في رسالته مبررا هذا التحول بانه لم يخن القضية لكن السجن و التعذيب غيرا مساره، و الرسالة في الحقيقة هي من الوجه المقنع الى الوجه الحقيقي لشخصية الصديق يحاول فيها ايجاد توازن نفسي لهذا التناقض الذي يؤلمه.

– في قصة « Hra/هرا  » وجهان متقابلان و متناقضان: وجه العجوز « Hra  » التي تحمل ابنها المشرف على الموت و هي تستعطف كبير المنطقة ليساعدها انقاذ ابنها المريض، و وجه  هذا الكبير الذي لا يرى في المرأة الا ورقة انتخابية لم تمنح له، فغابت الانسانية. و تحس المرأ ة بالموت فجأة و تموت فرحة لأنها سبقت ابنها الى العالم الآخر لئلا تراه يموت أمامها.

وتنتهي القصة ب  » ما اقسى ان يصبح الانسان ورقة انتخابية في ركام من الاوراق، تنتهي الانتخابات و تترك وراءها الفرقة و الخصام بين القبائل » .

–  في قصة « إزة » و هي شبيهة تيميا الى حد ما بقصة  » هرا »، هنا الامومة تحمل فلذة كبدها المريض الى الطبيب لينقذه من الموت، لكن من هو هذا الابن الذي فطر كبد الأم؟ تعود الام  » إزة  » بذكرياتها السوداء الى الماضي، لنكتشف وجها سوداويا لشخصية أخرى هو وجه الاب المنتهك للمحارم اي الاعتداء على ابنته، لكنه وجه مخفي في القصة، و لا يفصح عنه سارد أحداث القصة الا بالإشارة الدلالية التي تفصح عنها الجملة الأخيرة من القصة حين تسترجع  » إزة » ذكرياتها السوداء عن ابنها هذا :  » .. رضع المرارة من ثدييها، أ هو ابنها ؟ أم أخوها؟ لكن الحقيقة انه مصيبة و عار عليها ». لكن يبقى الوجه الانساني و الامومي ل » إزة  » انسانيا و اموميا رغم ما وقع.

    

– في قصة  » علا »  شخصية الفلاح الذي أهمل ارضه و بدأ يتذمر من بخلها و يتمنى لو جرفها الوادي، و تقابله الارض بنفس الاحساس في شكل صوت داخلي يسمعه  » علا »، صوت الارض يعلن له بدوره تذمره لأنه لم يعتن بها كما اعتنى بها الاولون فمنحت لهم عطاءاتها. و أمام رغبة « علا » في التخلي عن ارضه تتخلى هذه عنه فيحس « علا » باختلال توازنه، و بأن قدماء لا تمسان الارض التي رفضته، فيضطرب، و يتمنى إذ ذاك ان يعود الى الأرض حشرة تلتصق بأديم الارض و لا تفارقه.

بنيت هذه القصة بطريقة تمزج الوصف بالمونولوج الداخلي الذي يتيح استعراض تبادل الأحاسيس بين الفلاح و ارضه.

 

– في قصة Tifa :  تيفا فتاة تحمل آباؤها المشاق و الفقر و الحرمان، يجد لها صديقها عملا في طنجة، و اثناء لمها وثائقها  للهجرة السرية تنسى صورة لأبيها و تريد الرجوع لأخذها هنا يقف صديقها دون رجوعها فتذعن لأمره، و تحس بانها تركت والدها الذي تعب من أجلها

– في قصة Bihi: تكشف مأساة زوج و زوجته. قسوة الزوج يدفع زوجته المهضومة انسانيتها الى أن تحمل وجهين متناقضين، وجه واقعي يحمل قناعا مزيفا لإرضاء هذا الواقع الذي تعيش فيه مع الزوج، و جه حقيقي داخلي تتمنى فيه موت الزوج، و سيكتشف القارئ هذا الوجه الاخير عندما سقط سقف بيت على الزوج العامل ، و هب الناس لنجدته وهو بين الحياة و الموت، و صياح زوجته يملأ المكان، لكنه صياح لوجها الخارجي لإرضاء الواقع و المحيط  في حين ان وجهها الاخر الثاوي في نفسها تتمنى موته لتستريح

من جبروته و قسوته، و سيستجيب لها القدر.

 

أغلب شخصيات المجموعة شخصيات تحمل في ذواتها تناقضات، شخصيات مأساوية ،عيش تناقضا ت بين ما هو ذاتي و هوياتي و شخصي اي طبيعي و بين ما هو واقعي مزيف يفرض قوانينه على الشخصية و هي قوانين مبنية على قهر حرية الانسان و رغباته . الواقع هنا يلزم الانسان ان يتخذ قناعا مزيفا،  أو اقنعة يضعها حسب مشيئة ظروف هذا الواقع.

ذ. الحسن زهور

 المجموعة القصصية  » وجوه » هي تتبع ابداعي من منظور أدبي لمجتمع مغربي في طور التحويل، مجتمع تنهار فيه القيم الانسانية و الثقافية المدينية لصالح قيم أخرى غريبة مرتبطة بمجتمع جديد يعتمد على الفردانية و الجشع و المظاهر التي تتخذ أقنعة و وجوها لها في كل مظهر ما.

Soyez le premier à commenter

Poster un Commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée.


*