قراءة للمجموعة القصصية “Ifssi gr igiwal nnm agh ingha ixf nns”

You are currently viewing قراءة للمجموعة القصصية  “Ifssi gr igiwal nnm agh ingha ixf nns”

الحسن زهور

 

الكاتب : محمد اوضمين.

عنوان المجموعة: Ifssi gr igiwal nnm agh ingha ixf nns

                    الصمت بين احضانك انتحر

النوع : القصة القصيرة.

الناشر: تيرا، رابطة للكتاب بالأمازيغية بشراكة مع وزارة الثقافة المغربية.

الصدور:  2014.

 

أن ينقل الشاعر تجربته الإبداعية من الشعر إلى القصة القصيرة فتلك تجربة تستحق منا الوقوف أمام القيمة المضافة التي يمكن أن ينقلها الشاعر من مجال تخييلي خاص بالشعر إلى مجال أدبي ترتبط مواضيعه بالحياة الاجتماعية وهو المجال القصصي.

أن يتحول الشاعر الى الفن القصصي، كفن يدفع صاحبه إلى الغوص في مظاهر و خبايا الواقع المعاش و ما يعتمل في الشخوص الانسانية ، هو تحول فني و تجربة فنية و إبداعية شعورية تنتقل مما هو شعري الى ما هو نثري، و هو ما نراه في تجارب الكثير من المبدعين و الكتاب بالأمازيغية الذين برعوا في الشعر و انتقلوا الى النثر و زاوجوا بين الاثنين، و منهم من برزت مواهبهم الفنية في بعض الأنواع الفنية النثرية فاستحوذت على معظم كتاباتهم و خفتت لديهم الكتابة الشعرية..

بالنسبة للشاعر و الكاتب محمد اوضمين(1)، أول ما يلاحظ في نصوصه القصصية التي تضمنتها مجموعته القصصية الأولى و التي عنونها ب ” Ifssi gr igiwal nnm agh ingha ixf nns” أي ” الصمت بين احضانك انتحر “، هي هذه المغامرة  الفنية و التيمية التي دخلها الكاتب، المغامرة لا تتعلق هنا بمغامرة الانتقال من الميدان الشعري الى الميدان القصصي، بل المغامرة هنا ترتبط بنوعية المواضيع التي تناولها الكاتب بجرأة لم نرها من قبل في النصوص القصصية الأمازيغية بهذه الجرأة و هذا الكشف أي كشف الغطاء عن مواضيع تعتبر من الطابوهات في المجتمع المغربي بصفة عامة.

فمن خلال العنوان و الذي نسجه بخيوط شعرية تدفع القارئ الى البحث عن هذه العلاقة التي تربط بين الصمت و أحضان الأنثى دفعت الصمت إلى الانتحار، ليترك لضده المجال بين هذه الأحضان. الصمت هنا مشبع بعدة دلالات لا يمكن أن نحددها إلا من خلال قراءة نصوص المجموعة، و زاوية القراءة لدى القارئ ستعطي بعض الملامح و الدلالات لهذه العلاقة.  

تتكون هذه المجموعة القصصية من أربع قصص طويلة ترتبط بالجانب الاجتماعي و النفسي السيكولوجي و السلوكي لبعض النماذج البشرية و الإنسانية من مجتمعنا المغربي، يحاول الكاتب أن يقترب منها، أن يعريها بإزالة الطابوهات الاجتماعية عنها كظواهر إنسانية لذوات إنسانية تعيش مآسيها في مجتمعنا، و في نفس الوقت يحاول الكاتب تعرية المجتمع الذي يحاول تسويق الجانب الإنساني و القيمي فيه، و تنحية الجوانب المأساوية الأخرى التي يعيشها أفراده إلى الزوايا المعتمة، أنه الوجه المزدوج للواقع المعاش، في حين أن بعض المجتمعات المتقدمة اليوم حضاريا استطاعت إزاحة الستار عن هذه الجوانب الإنسانية المعتمة لتعطيها مسحة إنسانية، بالاعتراف بها في إطار الاختلاف والتنوع الإنساني.

في القصة الأولى”Mm izlyawn” اي “الفائقة الجمال”، يتناول الكاتب الإنسان الذي يجري وراء المظاهر والزيف الجمالي ليجد نفسه في آخر المطاف إنسانا محبطا محطم الذات، أمام انهيار ما بناه من واقع مزيف. الزيف هنا مظهر من المظاهر التي يتباهى بها الفرد، فيصبح الجمال الاصطناعي مرادفا لهذا الزيف الذي يلهث وراءه الفرد، و في النهاية يجد الفرد نفسه حين يكتشف الحقيقة أنه يلهث وراء السراب، ليسقط محطما و محبطا.

القصة تتحدث عن شخصية آدم و تباهيه بجمال المرأة التي حلم بها، يمتلكها كشيء أو كدمية يفتخر بها اجتماعيا لإرواء نهمه النفسي في مجتمع يتباهى بالمظاهر المادية و بالممتلكات، بما فيها المرأة كشيء ، و بالزيف الإنساني الذي يجعل المرأة وسيلة للزينة الاجتماعية يتباهى بها الرجل كنيشان يعلقه على صدره، المرأة هنا ليست كائنا إنسانيا بقدر ما هي شيء ممتلك يفتخر به الرجل في سوق الممتلكات المادية، و كأن الكاتب يريد تذكيرنا بأن عقلية النخاسة ما زالت تعشعش في مجتمعنا المعاصر رغم هذا التقدم التقني و الحضاري الذي يعيشه المجتمع اليوم. و في آخر القصة يكتشف البطل حقيقة الزيف الذي عاشه فينهار حلمه كما ينهار حلم الزوجة التي حولت نفسها الى دمية مزينة و مزيفة لتعيش نهاية الزيف الذي بنته لنفسها.

                                        ” Asyafa gr ibbankikn n ssilikun d iqqffach n lbutuks agh immudèrs.(2)

    ” بين كتل السيليكون والبوتوكس المتكلسة، مات الإحساس موتته الشنيعة .”

في القصة الثانية ” Anzir d uzawan d kra yadèn” أي الخمر و الموسيقى و أشياء أخرى”، اقترب الكاتب كثيرا من بعض المناطق المحرمة التي تدخل ضمن الطابوهات في مجتمعنا و هو عالم الليل و البارات بما تحمله من جنس و خمر..، تتناول قصته هذه بعض الشخصيات المنتمية إلى هذا العالم كنوع من المأساة الإنسانية التي لا يريد المجتمع الاعتراف بها رغم وجودها الواقعي. عالم عاملات الجنس في البارات كشخصيات إنسانية محطمة تتأرجح بين تدمير الذات و محاولة الخروج للنجاة من هذا العالم الليلي. في القصة يتناول الكاتب شخصيتين مختلفتين يجمعهما عالم الليل، الشخصية الأولى (غزلان) كشخصية منخرطة في هذا العالم عن وعي و اقتناع، فلسفتها هي اقتناص المتعة الآنية في هذه الحياة القصيرة، ورغم ما تكابده في هذا العالم المنحط  فهي تتحدى من أجل أن تعيش لحظتها و حياتها ، أنه نوع من الخضوع لمبدإ سلكت طريقه عن اختيار فاستسلمت له.ففي حوار في البار بين “غزلان” و صديقتها “وصال” تشكو الأخيرة مأساتها  و تبث لصديقتها شكواها و ضياعها في حياة الليل و العهر الذي سلكته، فتجيبها غزلان :

” – Mra ssngh a wisal is rad yadlli dagh tsmummuyt ar tsmindidt, ur akkw rad didm mungh, kf i unzgum ad issumm a tamddakklt, hati tudrt yat twalt ka rad tt inn nkk”.(3)

    ” لو عرفت يا وصال بأنك ستتباكين علي وستجأرين بالشكوى لما رافقتك إلى هنا، دعي الشكوى و الهم و عيشي يومك،       فالحياة قصيرة ياصديقتي “.

في حين أن الشخصية الثانية ( وصال) شخصية تكابد نفسيا في هذا العالم الذي دفعت إليه دفعا، و تحاول الخروج منه ما أمكن ، وكلما أوغلت في هذا العالم أوغلت في المكابدة و المعاناة.”وصال” نموذج لشخصية إنسانية مقهورة تعيش معاناتها اليومية مع ذاتها و مع مجتمعها في صمت أحيانا لكنها تنفجر أحيانا في صورة أنين و ندم و رجاء للخروج من معاناتها هذه، إنها تريد أن تخرج من هذا العالم الموسوم بالقهر و الدونية لكنها لا تستطيع لا بسبب ضعف ذاتي و نفسي بل بسبب مجتمع لم يوفر لها العيش الكريم، و حكم عليها بالموت البطيء الذي تستشعره يزحف إليها كل يوم. مأساة هذه الشخصية هي وعيها بهذه المأساة و بصعوبة الخروج منها. تقول في حوارها مع غزلان:

 “- Tudrt ad tghwli iyi gh ugayyu, ar sghalgh izaliwn ar sghalgh adàn, xf ad iyi ig uzmz ad mklli gis righ ad t ig yagwi, ssrmin iyi ifassn..”(4)

    ” سئمت هذه الحياة، أعد الأيام و الليالي أترقب ابتسامة الحياة ، لكنها أبت و أدارت ظهرها لي، تتقاذفني الأيادي..”.

في القصة الثالثة  “Rrwa n umghar” أي دراس شيخ القبيلة ، فهي قصة تتناول مظهرا من مظاهر تسلط  بعض رموز السلطة السياسية مجسدة في أمغار.

في القصة الرابعة ” Tayrrist n dasin” أي “عقدة داسين “، قصة اجتماعية و نفسية بامتياز مرتبطة بطابو اجتماعي من الطابوهات المحرمة سابقا تناولها، تتحدث القصة عن الاضطراب في الهوية الجنسية كظاهرة اجتماعية و بيولوجية و نفسية، و عن المعاناة التي يعيشها الضحية في مجتمع يرى في هذه الظاهرة شذوذا غير طبيعي يحاربه بأقسى العقوبات النفسية التي تصل الى التهميش الاجتماعي.

في القصة شخصية ” داسين ” يحس البطل بميله النفسي إلى الأنوثة بحكم تكوينه الفيزيولوجي والنفسي و بحكم تربيته في أسرة وحيدا بين أخواته. يكبر داسين ليعيش شخصيتين متناقضتين، شخصية ذكورية فرضت عليه فرضا ، و شخصية أنثوية مشبعة بميولاته النفسية، إنها ازدواجية في الشخصية : شخصية مجتمعية تظهر للمجتمع صورته الذكورية كقناع اجتماعي لإرضاء هذا الخارج الذي يفرض قيمه بالقوة، و شخصية حقيقية أنثوية يعيشها داخل بيته، خصوصا داخل غرفته حين يكون وحيدا لتحيى هذه الشخصية كما هي داخل جدران غرفته بعيدة عن الرقابة الأسرية و الاجتماعية. هذه الازدواجية التي يعيشها البطل هي مصدر مأساته، فهو يحس بأنه أنثى يريد أن يعيش حياته كما أرادها كأنثى لكن المجتمع بما فيه الأسرة  له حكم آخر هو رفض الشذوذ الذي يشذ عما ألفه باعتباره غير طبيعي في نظره.

و مع تسلسل أحداث القصة و تأزم معاناة البطل يجد أخيرا الخلاص، و الخلاص هنا مرتبط بهجرة وطنه الى وطن آخر لا يحاسب فيه المجتمع حرية الفرد ، ففي نهاية القصة ، و قريبا من الطائرة التي ستقله، يحس البطل بأنه يولد من جديد.

“taylalt lli nn isuqqul g mnid nns tsnal udm ignna, nttan ur adlli dars tgi taylalt s mklli s tt tssnm kwnnin!ad dars tga d tlggwit lli s rad izzgr s tudrt idrfn g rad ig agayyu nns”.(5)

    ” الطائرة التي ينظر اليها متأهبة لشق عنان السماء، ليست طائرة كما تعرفونها أنتم، بل يعتبرها جسرا سيعبره الى حياة                  

     أكثر حرية يستطيع فيها تجسيد كينونته و ماهيته..”

 إنها مأساة فرد مختلف في مجتمع يحرم الاختلاف، و هو نموذج للكثير من المظاهر الإنسانية التي يفرض المجتمع وضعها في الظل و في العتمات التي لا يريد أن تصل إليها الإضاءة خوفا مما يسميها ” تلويث ” القيم المفروضة بالقوة.

قصص محمد اوضمين تنقل القارئ إلى أعماق نفسيات بعض الشخصيات الإنسانية، شخصيات مهمشة يحاول مجتمعنا طمس وجودها بتهميشها و منعها من الظهور كشخصيات ملوثة لهذا المجتمع حسب منظوره المفروض بقوة. شخصيات منهكة نفسيا و اجتماعيا لكنها تقاوم، يحس بها القارئ في قصص أوضمين كشخصيات إنسانية منهوكة لكنها تقاوم واقعها، فيتفاعل القارئ مع مآسيها و مع أحزانها و يتعاطف معها، إنها شخصيات إنسانية تحمل في أعماقها الألم الإنساني بفعل الوسط الذي تعيش فيه.

الكاتب يجعلك تتعاطف مع شخصياته المنهكة و المهمشة، فتحس بأن ما نسميه مهمشا هو إنسان له أحلامه و له آماله، له عاطفة مشتعلة و وقادة، له ذات مفعمة بالحب كسائر أفراد المجتمع الآخرين، لكن الواقع هشمها و أذلها، و تسعى أن يتم الاعتراف بها كذوات انسانية  لها الحرية في اختيار كينونتها الإنسانية.

 

من الشعر الى الفن القصصي:

ما الإضافة التي أضافها الشاعر محمد اوضمين إلى تجربته القصصية في مجموعته القصصية” Ifssi gr igiwal nnm agh ingha ixf nns”؟

أول ما يلاحظ في هذه النصوص القصصية هو محاولة الكاتب الكشف عن بعض المناطق المعتمة في المجتمع، مناطق يصعب الإفصاح عنها علنا باعتبارها تنتمي إلى حقول مسيجة بضوابط اجتماعية و قيمية (من القيم) تجعل من يقترب منها لتسليط الضوء عليها متمردا و مشاكسا. ان يقترب الكاتب من هذه الحقول المعتمة هو مغامرة ، و أن يعكسها أدبيا و فنيا هي مغامرة إبداعية ترتقي باليومي المهمش و” المنبوذ” و لكن في نفس الوقت المفعم باللذة التي ينشدها الناس.

 المغامرة لدى الشاعر محمد اوضمين زيري مغامرة تستحق التنويه، فالقاص محمد اوضمين يحمل في كتاباته القصصية جزء من شاعريته الشعرية لتمتد في مجاله القصصي، عبر مواضيعه الانسانية التي تنتمي الى عالم مهمش فرض عليه المجتمع الانزواء في ركن قصي معتم يمنع  تسليط الضوء عليه، كما تعبر شاعريته عن نفسها في تلك اللغة التي يستعملها أحيانا في وصف خلجات شخصياته القصصية، موظفا تقنيات سردية و فنية تساهم في الغوص في تحريك ما يقبع في هذه الأعماق النفسية لشخصياته القصصية، تقنيات تعتمد على المونولوج و الوصف …

 

 

الهوامش:

  1. أصدر ديوانه الأول سنة ” ؤرفان –Urfan ” سنة 2005. و أصدرت له رابطة تيرا للكتاب بالأمازيغية ديوانا شعريا للأطفال بعنوان ” تايدرت ن ؤگمّاي –Taydrt n ugmmay  ” سنة 2012.
  2. المجموعة القصصية “Ifssi gr igiwal nnm agh ingha ixf nns” صدرت سنة 2014 عن مطبعة دار السلام- الرباط. من منشورات تيرا، رابطة الكتاب بالأمازيغية بشراكة مع وزارة الثقافة.
  3. المجموعة القصصية، قصة  “Mm izlyawn” ص21.
  4. المجموعة القصصية، قصة  “Anzir d uzawan d krayadèn” ص31.
  5. المجموعة القصصية، قصة  “Anzir d uzawan d krayadèn ” ص30.
  6. المجموعة القصصية، قصة “Tayrrist n Dasin” ص62.